تنظيم المحتوى عبر الإنترنت ومسؤولية المنصّات
- من يتحمّل مسؤولية المحتوى المنشور؟
- وكيف يمكن حماية المستخدمين من المعلومات المضللة وخطابات الكراهية؟
- وفي المقابل، كيف نضمن عدم خنق حرية التعبير تحت ذريعة “تنظيم المحتوى”؟
لقد أصبح تنظيم المحتوى عبر الإنترنت أحد أهم محاور التشريع الرقمي عالميًا، إذ تسعى الدول إلى إيجاد توازن بين حماية الحقوق الرقمية وضمان بيئة آمنة على الإنترنت، مع احترام مبدأ حرية التعبير. وفي القلب من هذه المنظومة تقف المنصّات الرقمية التي أصبحت فاعلًا مركزيًا في عملية النشر، بل وشريكًا قانونيًا في المسؤولية في كثير من الأنظمة الحديثة.
![]() |
| تنظيم المحتوى عبر الإنترنت ومسؤولية المنصّات: إطار قانوني جديد لعصر رقمي سريع التغيّر |
أولًا: ماهية تنظيم المحتوى عبر الإنترنت
تنظيم المحتوى لا يعني تقييد حرية التعبير، بل يهدف إلى وضع قواعد واضحة تمنع:
-
نشر خطاب الكراهية
-
التحريض على العنف
-
المواد الإباحية غير القانونية
-
المحتوى الإرهابي
-
الأخبار المضلّلة
-
انتهاك حقوق الملكية الفكرية
-
سرقة البيانات الشخصية
التنظيم يشمل ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. البعد القانوني
ويتعلق بالقوانين التي تضعها الدولة لضبط المحتوى، وتحديد مسؤوليات الأطراف المختلفة (السلطات، المنصّات، المستخدمون).
2. البعد التقني
ويتعلق بالخوارزميات، وأنظمة الرقابة، والذكاء الاصطناعي المستخدم في الكشف عن المحتوى المخالف.
3. البعد الأخلاقي
ويتعلق بقيم المجتمع، وحدود حرية التعبير، والمعايير التي تعتمدها المنصّات لحماية المستخدمين.
ثانيًا: كيف تعمل المنصّات في إدارة المحتوى؟
تستخدم المنصّات الرقمية عدة أدوات لضبط المحتوى، منها:
1. الإبلاغ البشري
يبلغ المستخدمون عن المحتوى المسيء أو المخالف.
2. الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي
تقوم بالكشف التلقائي عن:
-
العنف
-
المواد الإباحية
-
المحتوى الإرهابي
-
الحسابات المزيفة
3. سياسات الاستخدام
مثل "شروط الخدمة" و"إرشادات المجتمع"، والتي يوافق عليها المستخدم قبل إنشاء حساب.
4. المراجعة اليدوية
وهي مهمة فرق متخصصة لمراجعة المحتوى عالي الخطورة.
![]() |
| تنظيم المحتوى عبر الإنترنت ومسؤولية المنصّات |
ثالثًا: الإطار القانوني لمسؤولية المنصّات
السؤال الأبرز:
هل تتحمّل المنصّة مسؤولية ما ينشره المستخدمون؟
الإجابة تختلف باختلاف الأنظمة القانونية. هناك ثلاثة نماذج رئيسية:
النموذج الأول: الحصانة شبه المطلقة (الموجود سابقًا في الولايات المتحدة)
كانت الولايات المتحدة تتبنى بموجب المادة 230 من قانون آداب الاتصالات (CDA 230) مبدأ الحصانة الواسعة للمنصّات، بحيث لا تتحمل أي مسؤولية عن محتوى المستخدمين، طالما أنها لا تتدخل في تعديله أو نشره.
إلا أن هذا النموذج تعرض لانتقادات واسعة بسبب:
-
انتشار المحتوى المتطرف
-
التدخل الانتخابي
-
الجرائم الإلكترونية
-
المعلومات الطبية المضللة
وقد بدأت تعديلات جدية تُناقش في الكونغرس لإعادة ضبط هذه الحصانة.
النموذج الثاني: المسؤولية المشروطة (الاتحاد الأوروبي)
الاتحاد الأوروبي يعتمد مبدأ:
المنصّة ليست مسؤولة إلا إذا علمت بوجود المحتوى غير القانوني ولم تقم بإزالته.
أبرز التشريعات:
-
التوجيه الأوروبي للتجارة الإلكترونية 2000
-
قانون الخدمات الرقمية DSA لعام 2023
القانون الجديد DSA أعاد صياغة مسؤوليات المنصّات عبر فرض التزامات صارمة، منها:
-
إزالة المحتوى غير القانوني بسرعة
-
الشفافية حول الخوارزميات
-
منع الإعلانات المستهدِفة للقاصرين
-
إنشاء آليات طعن للمستخدمين
النموذج الثالث: المسؤولية المباشرة (بعض الدول العربية)
في عدد من التشريعات العربية، تتحمّل المنصّة مسؤولية مباشرة عن المحتوى إذا:
-
لم تراقب المحتوى بشكل فعال
-
لم تلتزم بإبلاغ السلطات
-
سمحت بنشر محتوى يهدد الأمن أو الاستقرار
هذا النموذج يعزز الرقابة لكنه قد يؤثر على حرية التعبير إذا لم يُنفَّذ بضوابط واضحة.
رابعًا: مسؤولية المنصّات في القوانين العربية
تتحرك التشريعات العربية نحو تشديد الرقابة بسبب ارتفاع:
-
القرصنة المعلوماتية
-
الجرائم الإلكترونية
-
الابتزاز الإلكتروني
-
انتشار الأخبار الكاذبة
من بين أبرز الملامح المشتركة في المنطقة العربية:
1. إلزام المنصّات بالإزالة السريعة للمحتوى غير القانوني
تتراوح المدة بين 24 ساعة إلى 72 ساعة.
2. طلب بيانات المستخدمين عند الضرورة
للتحقيق في الجرائم الإلكترونية.
3. الحظر على نشر المحتوى الذي يمسّ القيم المجتمعية
وهو مفهوم واسع يختلف من دولة لأخرى.
4. تجريم التحريض والتشهير الإلكتروني
مع فرض عقوبات مالية وجنائية.
![]() |
| التحديات القانونية التي تواجه المنصّات |
خامسًا: التحديات القانونية التي تواجه المنصّات
تنظيم المحتوى مهمة معقدة لأسباب عديدة:
1. حجم المحتوى الضخم
يُنشر أكثر من 500 مليون تغريدة وصورة وفيديو يوميًا عالميًا.
2. اختلاف القوانين بين الدول
محتوى مسموح به في دولة قد يكون ممنوعًا في أخرى.
3. التحيّز الخوارزمي
قد تؤدي الخوارزميات إلى حذف محتوى مشروع عن طريق الخطأ.
4. التوازن بين الحرية والأمن
أي تشديد مبالغ فيه يهدد حرية التعبير.
5. التهديدات الجديدة
مثل:
-
الذكاء الاصطناعي
-
المحتوى المزيف (Deepfake)
-
الروبوتات الدعائية
سادسًا: الجدول التفصيلي لمسؤوليات المنصّات الرقمية
فيما يلي جدول شامل يلخص التزامات ومسؤوليات المنصّات وفق أبرز النماذج العالمية:
| نوع المسؤولية | الولايات المتحدة (CDA سابقًا) | الاتحاد الأوروبي (DSA) | الدول العربية |
|---|---|---|---|
| إزالة المحتوى غير القانوني | غير إلزامي إلا بعد الإبلاغ | إلزامي خلال مدة محددة | إلزامي وقد يرافقه عقوبات |
| المسؤولية عن منشورات المستخدمين | حصانة شبه كاملة | مسؤولية مشروطة بالعلم | مسؤولية أحيانًا مباشرة |
| الشفافية حول الخوارزميات | غير واجبة | إلزامية للمنصّات الكبرى | متفاوتة |
| حماية الأطفال | متروكة للمنصّة | قيود صارمة | موجودة ولكن بمستويات مختلفة |
| حماية البيانات الشخصية | قوية (GDPR غير مطبق) | أقوى حول العالم بفضل GDPR | متفاوتة ومحدودة |
| التعاون مع السلطات | موجود ولكن ضمن حدود | موجود بآليات واضحة | قوي وملزم |
سابعًا: تنظيم المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي
باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي لاعبًا رئيسيًا في معركة تنظيم المحتوى.
1. المخاطر الناشئة
- محتوى زائف لا يمكن التمييز بينه وبين الحقيقي
-
التضليل السياسي
-
محاكاة الأصوات والوجوه (Deepfake)
2. مسؤولية المنصّات تجاه محتوى الذكاء الاصطناعي
يتجه العالم نحو:
-
إلزام المنصّات بوضع علامات مائية على المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي
-
منع استخدام الذكاء الاصطناعي للتلاعب السياسي
-
مراقبة استخدام الذكاء الاصطناعي في الجرائم الإلكترونية
ثامنًا: كيف توازن التشريعات بين حرية التعبير والأمن؟
يتضمن التنظيم الناجح ثلاث قواعد ذهبية:
1. الشفافية
يجب أن تشرح المنصّات كيفية اتخاذ قرارات الحذف.
2. إمكانية الاعتراض
حق المستخدم في الطعن في القرارات.
3. التناسب
لا يجوز حذف المحتوى إلا إذا كان فعليًا مخالفًا وغير قابل للموازنة مع الحرية.
مستقبل مسؤولية المنصّات في 2030 وما بعدها
1. تشريعات أكثر صرامة
ستتجه الدول إلى إلزام المنصّات أكثر، خصوصًا في:
-
مكافحة المحتوى المتطرف
-
حماية الأطفال
-
مراقبة الإعلانات السياسية
2. الذكاء الاصطناعي كوسيلة مراقبة رئيسية
قد تنتقل المنصّات من الإبلاغ البشري إلى الاعتماد شبه الكامل على الذكاء الاصطناعي.
3. المسؤولية المشتركة
سيتجه العالم نحو اعتبار المنصّة شريكًا مسؤولًا وليس مجرد وسيط فني.
4. تشريعات خاصة بالمحتوى المعتمد على AI
خصوصًا في مجال:
-
deepfake
-
النصوص الآلية
-
الروبوتات السياسية
تنظيم المحتوى عبر الإنترنت أصبح ضرورة ملحّة لحماية المجتمع والدولة والأفراد، دون المساس بحرية التعبير. ومع توسع نفوذ المنصّات العالمية، بات من الضروري وضع تشريعات متوازنة تحدد بوضوح:
-
ما هي مسؤوليات المنصّة؟
-
ما هي مسؤوليات المستخدم؟
-
وما هو المحتوى غير القانوني؟
إن المستقبل يتطلب تعاونًا بين المشرعين، خبراء التقنية، المجتمع المدني، والمنصّات نفسها، للوصول إلى الإنترنت آمن، متوازن، يحترم الخصوصية، ويضمن حرية التعبير.


