آخر الأخبار

بحث حول تطبيقات النظم الانتخابية في الجزائر

تعد النظم الانتخابية أحد العناصر الأساسية في بناء وتطوير الديمقراطية في أي دولة. فهي تمثل الآلية التي يتم من خلالها اختيار القادة والممثلين السياسيين الذين سيشاركون في صنع القرارات وتشكيل المستقبل السياسي للبلد. وفي الجزائر، كانت تجربة النظام الانتخابي تعكس التحولات والتحديات التي مرت بها البلاد على مر العقود الماضية.

بحث حول تطبيقات النظم الانتخابية في الجزائر

اضغط لتحميل القوانين المتعلقة بالانتخابات في الجزائر

الإجابة على هذه الإشكالية تفتضي تتبع الأنظمة الإنتخابية عبر المراحل المختلفة حيث سنتعرض في ذلك الى: نظام الأغلبية في دور واحد "في مرحلة الأحادية"،الاقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد "النظام المختلط"،نظام الأغلبية في دورين نظام التمثيل النسبي:بواسطة الإقتراع النسبي على القائمة.

أولا: نظام الأغلبية في دور واحد

هو النظام الذي يتم فيه انتخاب المترشح أو المترشحون بحسبما إذا كان الإنتخاب بالقائمة أو الإنتخاب الإسمي الفردي وهونظام بسيط في اجراءاته يسمح لمن حاز على أكبر عدد من الأصوات أن يأخذ مقعدا في البرلمان دون أن يعطي أهمية للأصوات الأخرى1 لأن الإنتخابات تحسم في دور واحد وهو النمط الإنتخابي المعتمد في مرحلة ما قبل التعددية وعلى ضوئه جرت انتخابات2 المجلس الوطني التأسيسي والمجلس الوطني والمجلس الوطني الشعبي.

  • 1- المجلس الوطني التأسيسي وإرساء معالم النظام السياسي الجزائري :

انتخاب المجلس الوطني التأسيسي كان حدثًا هامًا في تحديد نظام الحكم السياسي في الجزائر. تم تحديد هذا الانتخاب بموجب اتفاقية إيفيان في 18 مارس 1962. وتم تنفيذ ذلك من قِبَل الهيئة التنفيذية المؤقتة التي كانت تسيير شؤون البلاد بصفة انتقالية. صدر الأمر الانتخابي 62/4010 الذي نص على أن الاقتراع يتم بنظام الأغلبية في جولة واحدة، ويجري في قوائم ولائية تشكلها الولاية، حيث تُعد الولاية دائرة انتخابية. وتتم الانتخابات وفقًا للنمط التعددي بمراعاة المواد 12 و 81 و 23 من الأمر الانتخابي.

تم اعتبار حزب جبهة التحرير الوطني، بجميع التيارات المتنافسة داخله، كتشكيلة سياسية مثل باقي التشكيلات المنافسة. ولم يكن للجبهة هيكلية حزب سياسي إلا بعد مؤتمرها في عام 1964. ومع ذلك، تسببت أزمة صيف عام 1962 في تعقيد الوضع السياسي والأمني في البلاد، مما أدى إلى تأجيل الانتخابات المقررة في 12 أغسطس 1962. وبعد استقرار الأوضاع وتحقيق الجيش الشعبي للسيطرة على الأزمة، أصبح المجلس الثوري هو السلطة السيادية في البلاد بموجب إعلانه المؤرخ في 22 يوليو 1962.

تم إعادة النظر في النظام الانتخابي وتعديله بتوجيهات من المجلس الثوري ليتماشى مع برنامج طرابلس في مايو 1962. قامت جبهة التحرير الوطني بتكوين قوائم المرشحين من المجاهدين والمناضلين، ونتيجة لذلك تم استبعاد الأحزاب الأخرى ومنع نشاطها قانونيًا. تم تنفيذ الانتخابات وفقًا لنظام "الاقتراع على القائمة الولائية بالأغلبية في جولة واحدة"، باستثناء التمثيل الأقلية الأوروبية، وأسفرت الانتخابات عن نتائج هامة تمثلت في استحواذ جبهة التحرير على مقاعد المجلس وممارستها السلطة القانونية والرسمية.

تلك الانتخابات ساهمت في إرساء أسس الحزب الواحد قبل دستور عام 1963 وأكدت الشرعية الثورية. كما أعطت المجلس التأسيسي صلاحيات هامة، بما في ذلك تعيين حكومة مؤقتة وإعداد وتصويت على الدستور الجزائري.

  • 2-المجلس الوطني وعدم إتمام العهدة:

بعد نهاية عهد المجلس الوطني التأسيسي "الإنتقالية "،نظم دستور 1963 السلطة التشريعية ممثلة في المجلس الوطني في المواد:من 27 الى 38 فنصت المادة 27 من الدستور على:

"السيادة الوطنية للشعب يمارسها بواسطة ممثليه في المجلس الوطني الذي ينتخب لمدة خمسة أعوام بالإقتراع العام والمباشر والسري وتتولى جبهة التحرير الوطني إقتراح المرشحين اليه " حيث جبهة التحرير الوطني هي حزب الطليعة الوحيد في الجزائر"9 وطبقا لذلك صدر القانون الإنتخابي 254/1064 والذي بمقتضاه تم انتخاب المجلس الوطني حيث:

"يجري الاقتراع على القائمة الولائية الوحيدة بالأغلبية في دور واحد"حيث رشحت الجبهة مترشحا واحدا لكل مقعد أي بنفس الطريقة المعتمدة في المرحلة السابقة باستثناء تراجع عدد المقاعدالى 138 مقعدا ودون اشراك الأقلية الأروبية فأصبح البرلمان المنتخب يتشكل فقط من مناضلي الحزب الواحد تماشيا مع النظام الدستوري وتكرست بذلك الأحادية بمفهومها الواسع إلا أن هذا المجلس المنتخب لم يكمل عهدته بسبب قيام حركة 19جوان1965 التي أدت الى تعطيل مسار انتخاب البرلمان11 لغاية انتخاب المجلس الوطني الشعبي سنة 1977.

  • 3-المجلس الشعبي الوطني والإستقرار المؤسساتي:

أصبحت الوظيفة التشريعية بعد صدور دستور1976 من اختصاص "المجلس الشعبي الوطني" حيث يتم إختيار نوابه من طرف الحزب ثم يعرضون على الناخبين فقد نصت المادتان129،128/1 من الدستور على:

"ينتخب أعضاء المجلس الشعبي الوطني بناء على ترشيح من قيادة الحزب عن طريق الإقتراع العام المباشر والسري". ولمدة خمس سنوات، وفق نمط تم تقنينه في القانون الانتخابي12 رقم:80/08 حيث اعتمد المشرع الجزائري على نظام الأغلبية البسيطة" الأغلبية في دور واحد".
 بمعنى أن كل من حصل على أكبر عدد من الأصوات يعد فائزا بمقعد في البرلمان،فوفقا للمادة 66 من هذا القانون فإن قائمة الترشيح بالنسبة للمجلس الشعبي الوطني تحتوي على عدد من المناضلين المترشحين يساوي ثلاث أضعاف المقاعد المطلوب شغلها فالدائرة الإنتخابية التي بها مقعد واحد يتنافس عليه ثلاث مترشحين وهكذا، ويعتبر فائزا كل من حصل على أكبر عدد من الأصوات حيث "يصرح بانتخاب المترشحين الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات في حدود المقاعد المطلوب شغلها وفي حالة تساوي الأصوات يؤول الإنتخاب )المقعد( للمترشح الأكبر سنا13".

نخلص بذلك أن النظام الإنتخابي الجزائري في مرحلة الحزب الواحد خاصة في مرحلة دستور تميز بالبساطة في الاجراءات والتماثل في أسس الإنتخاب15 وكانت القوانين الانتخابية تسير في اتجاه واحد تماشيا مع طبيعة النظام السياسي القائم ومتطلباته وبالتالي فإن نظام الأغلبية البسيطة المتبع كان متناسبا مع الأوضاع آنذاك ويعكس فلسفة النظام من حيث ديمومة الإستقرار طيلة فترة تجاوزت ربع قرن في ظل الشرعية الثورية.

ثانيا: الإقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد              

بعد إقرار التعددية إثر صدور دستور 23 فيفري 1989 تم تكييف المنظومة القانونية بما يتماشى وهذا التحول في طبيعة النظام الدستوري وكان من الطبيعي اعتماد نظام انتخابي تتطلبه الإنتخابات التنافسية بين عدة تشكيلات كل ذلك أدى الى سن مجموعة من القوانين وفي مقدمتها القوانين الإنتخابية لكي تستجيب لطبيعة المرحلة الجديدة فيما يتعلق بنمط أساليب الإقتراع وتوزيع المقاعد...وتحديد الدوائر الإنتخابية فكان أول قانون انتخابي صدر في هذه المرحلة وهو القانون رقم 89/1613 الذي عرف سلسلة تعديلات كما سنرى حيث نصت المادة 84 منه على:

"ينتخب المجلس الشعبي الوطني بطريق الإقتراع النسبي على القائمة مع أغلبية الأفضلية في دور واحد" وهو النظام الذي يتم فيه الأخذ بنظامي الأغلبية والتمثيل النسبي أو ما أصبح يعرف بالنظام المختلط الذي لجأت اليه أحزاب اليمين والوسط في أوروبا خلال الخمسينيات من خلال وضع قوائم مشتركة لمواجهة اليسار في إطار تحالفات سياسية تسمح للأحزاب بالإستحواذ على أكبر عدد من المقاعد ثم تتقاسمها فيما بينها تناسبيا.

ومن الواضح أن حزب جبهة التحرير الوطني لجأت الى هذا النمط الإنتخابي لأنهاكانت ترى فيه أنه سيجعلها تحافظ على السلطة بالنظر لاعتبارات سياسية منها أن الأحزاب المعتمدة أحزاب ناشئة وصغيرة إلا أن هذا القانون تم تعديله بالقانون 90/1706 الذي نصت المادة62 منه المتعلقة بتوزيع المقاعد على:

  • - في حالة عدم حصول أي قائمة على الأغلبية المطلوبة من الأصوات تفوز القائمة التي تحوز على أعلى نسبة بمايلي:
  • 50% من المقاعد المجبرة الى العدد الصحيح الأعلى في حالة ما اذا كان عدد المقاعد المطلوب شغلها في الدائرة فرديا.
  • 50% زائد واحد من عدد المقاعد في حالة ما إذا كان عدد المقاعد المطلوب شغلها زوجيا.
  • -توزع المقاعد المتبقية بالتناسب على القوائم التي حصلت على أكثر من7% من الأصوات المعبرة
- في حالة عدم حصول أي قائمة على الأغلبية المطلوبة من الأصوات تفوز القائمة التي تحوز على أعلى نسبة بمايلي:
  • -50% من المقاعد المجبرة الى العدد الصحيح الأعلى في حالة ما اذا كان عدد المقاعد المطلوب شغلها في الدائرة فرديا.
  • -50% زائد واحد من عدد المقاعد في حالة ما إذا كان عدد المقاعد المطلوب شغلها زوجيا.
  • -توزع المقاعد المتبقية بالتناسب على القوائم التي حصلت على أكثر من7% من الأصوات المعبرة... "

وبهذا احتفظ القانون المعدل بالنظام المختلط الذي توزع فيه المقاعد بالكيفية المذكورة في المادة السابقة، إلا أن الانتخابات التشريعية لم تجر وفق هذا النظام بعد التعديلات التي ادخلت على القوانين الإنتخابية إلا أنه ورغم مساوئ هذا النظام كان سيسمح بتمثيل حزبي أفضل غير الذي حصل بعد التعديلات في إطار نظام الأغلبية في دورين.


ثالثا: نظام الأغلبية"الإقتراع على الإسم الواحد في دورين"


بموجب تعديل القانون الإنتخابي بالقانون 91/1806 تخلى المشرع على نظام "الإقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد" وتبنى نظام "الأغلبية في دورين" وهو نظام يؤدي الى حصول المترشحين على أغلب الأصوات فهو غاية في القسوة لكنه يبرز أغلبة برلمانية تسمح بالإستقرار19 خاصة في الدول التي ترسخت فيها الديموقراطية حيث اعتمدته على هذا الأساس،فقد نصت المادة 84 من هذا القانون على: "ينتخب المجلس الشعبي الوطني لمدة 5سنوات بطريق الإقتراع على الإسم الواحد في دورين" بمعنى أن كل مترشح حصل على 50%+1 يأخذ مقعدا ولا اعتبار لأصوات المترشح الذي حصل على أكثر من 49%، أما بخصوص عدد المقاعد فقد تم تقليصها الى 430 مقعدا20 فانتخاب المترشحين هنا يكون على الإسم لا على القائمة ووفق هذا النمط الإنتخابي جرت أول انتخابات تعددية وفق القانونين91/06 و 91/18 أي "نظام الأغلبية على الإسم الواحد في دورين في ظل د وائر انتخابية صغرى"، أسفرت هذه الإنتخابات في دورها الأول21 على النتائج التالية: "الجبهة الإسلامية للإنقاذ 188 مقعدا، جبهة القوى الإشتراكية 25 مقعدا، جبهة التحرير الوطني 15 مقعدا، قوائم الأحرار04 مقاعد"،ما يمكن استنتاجه على نظام الأغلبية "الإقتراع على الإسم الواحد في دورين:

  • أ‌- ترتب على تطبيق هذا النظام نتائج قاسية وغير متوقعة حتى من أشد المتفائلين والأرقام التالي تعكس ذلك فجبهة التحرير الوطني حصلت على 1610000صوت وأخذت نصف الأصوات التي حصلت عليها ج.إ.أ 3260000 ولم تحض إلا على 15 مقعدا مقابل 188 للأولى، وحصلت ج.ق.إعلى 510000 صوت أي ثلث ما حازته جبهة التحرير الوطني مع ذلك حصدت 25مقعدا"، فلو تم اعتماد النظام المختلط الذي تم التراجع عنه لكانت النتائج مغايرة.
  • ب‌- من شأن نظام الأغلبية في دورين أن يفرز النتائج السابقة لأن الدول التي تبنته كانت تهدف من ورائه الى تحقيق الإستقرار خاصة في الثنائية الحزبية إلا أن تبنيه في أول تجربة انتخابية برلمانية في الجزائر أدى الى اللاستقرار. 
  • ج- نظام الأغلبية في دورين لا يؤدي بالضرورة الى قيام تعددية حزبية ذلك انه يمكن الى ثنائية حزبية وفي الغالبيؤدي الى سيطرة حزب مهيمن22 وهو ما حصل في انتخابات ديسمبر 1991 حيث البرلمان مشكل من ثلاث أحزاب وبفارق متباين مع إقصاء كل الأحزاب الأخرى التي شاركت في الإنتخابات.
  • د- من الناحية القانونية فإن نظام الأغلبية يؤدي الى تلك النتائج ومن الناحية السياسية فإن الحسابات الخاطئة و الضيقة أدت الى صياغة المادة 84 من القانون الانتخابي بذلك الشكل وكان ذلك محل خلاف داخل حزب جبهة التحرير الوطني بين التيار الإصلاحي المتمسك بالنظام المختلط والإتجاه المحافظ الذي أصر على تمرير نظام الأغلبية على الإسم الواحد في دورين ونجح في ذلك من خلال تصويت المجلس الشعبي الوطني على القانون فكانت النتائج وخيمة على الحزب الذي أصبح يشكل أقلية وعلى المسارالانتخابي الذي تم وقفه بسبب الأزمة الدستورية المترتبة على استقالة رئيس الجمهورية المقترنة بحل المجلس الشعبي الوطني فأدى ذلك النمط الإنتخابي الى انهيار المؤسسات.

رابعا: نظام التمثيل النسبي

1- الإقتراع النسبي على القائمة:

بالنظر الى الأزمة التي مرت بها البلاد والذي كان أحد أهم أسبابها ذلك النظام الإنتخابي المعتمد وفي سبيل استكمال المسار الإنتخابي المتوقف23تقدمت الحكومة الى المجلس الوطني الإنتقالي بالأمر 97/2407 "الإنتخابي "الذي جاء في عرض أسبابه:
"...أظهر الإقتراع بالأغلبية محدوديته و طابعه غير العادل والمنصف خلال انتخابات 1991... كما أن تقسيم الدوائر الإنتخابية تم في جو من الإرتجالية"...25 وبالتالي تم التخلي عن نظام الأغلبية في دورين وسعيا لتحقيق تمثيل متوازن في البرلمان تم الأخذ بنظام التمثيل النسبي "الإقتراع النسبي على القائمة "حيث يتم"انتخاب المجلس الشعبي الوطني بالإقتراع النسبي على القائمة مع تطبيق قاعدة الباقي الأقوى مع حرمان القوائم التي لم تحصل 5% من الأصوات المعبر عنها"26 أما بالنسبة لمجلس الأمة الغرفة الثانية المستحدثة في دستور 1996 حيث اعتمد المؤسس الدستوري نظام الثنائية البرلمانية "البيكاميرالية"

 وطبقا للمادة 98 من الدستور:
"يمارس السلطة التشريعية برلمان يتكون من غرفتين هما: المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وله السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه" وتجسيدا لذلك وطبقا للمادة 123 من الأمر97/07 يتم انتخاب أعضائه وفق نموذج الإقتراع متعدد الأسماء في دور واحد أي بالأغلبية البسيطة ويتم انتخابه من طرف هيئة انتخابية من المجالس "البلدية و الولائية" ويعتبر فائزا بمقعد على مستوى الولاية كل من حصل على أكبر عدد من الأصوات ومجلس الأمة يتشكل من 144 عضوا ينتخب ثلثا أعضائه أي 96 عضوا27 عن طريق الإقتراع السري غير المباشر من طرف الهيئة سالفة الذكر ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي أو ما يعرف بالثلث الرئاسي في المجلس، وبالنسبة للدوائر الإنتخابية فيما يتعلق بانتخاب الغرفة الأولى م.ش.و أخذ المشرع بعين الإعتبار الآثار السلبية للقانون السابق المخالف للمبادئ الدستورية واعتبر الولاية بحدودها الاقليمية "دائرة انتخابية".

على ضوء اعتماد نظام "الإقتراع النسبي على القائمة في دور واحد" حيث القائمة المغلقة وضمن دوائر انتخابية كبرى وفي إطار اكمال المسار الانتخابي للعودة النهائية للحياة الدستورية جرت انتخابات المجلس الشعبي الوطني في 05جوان1997 وبصرف النظر على التجاوزات التي رافقت تلك الانتخابات ولأن الموضوع ليس محل الدراسة كما أن لا علاقة له بالنظام الانتخابي فالمسألة تتعلق بالممارسة لا بالقانون فإن نظام التمثيل النسبي أسفرت خلاله الانتخابات على النتائج التالية:

" التجمع الوطني الديمقراطي155 مقعدا، حركة مجتمع السلم 69 مقعدا، جبهة التحرير الوطني 64 مقعدا،حركة النهضة 34 مقعدا، جبهة القوى الإشتراكية19مقعدا، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 19 مقعدا، الأحرار 11 مقعدا، حزب العمال 04 مقاعد ،الجمهوري التقدمي3 مقاعد، الإتحاد من أجل الديمقراطية والاجتماعي الحر مقعد واحد لكل منهما"
 ترتب على تبني نظام التمثيل النسبي عدة نتائج أهمها:
  • أ-تمثيل واسع في البرلمان بتواجد عشر أحزاب إضافة الى الأحرار، مقابل تمثيل ثلاث أحزاب و الأحرارفي انتخابات 26 ديسمبر1991 .
  • ب- سمح بتمثيل كل الإتجاهات السياسية "الوطنية والإسلامية والديمقراطية وضمن للأحزاب الصغرى تواجدا في البرلمان حيث الأقلية ممثلة.
  • ج-عدم حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة وبالتالي قضى على فكرة حزب واحد على السلطة29 ومن ثم عدم قدرة أي حزب تشكيل حكومة بمفرده مما أدى الى ظهور الإئتلاف الحكومي30 الذي تحول فيما بعد الى "التحالف الرئاسي. "

إن نظام التمثيل النسبي سمح لكل اتجاه بالتمثيل في البرلمان نسبة الى الأصوات التي حاز عليها فهو نظام أكثر عدالة ولكنه أقل فعالية31 واستمر العمل بهذا النمط الإنتخابي حتى في ظل صدور تعديلات وقوانين انتخابية32كانت تقتضيها عدة متطلبات سواء من الناحية الإجرائية أو الموضوعية إلا أن كل ذلك لم يحدث تغييرا ملفتا للخريطة السياسية حيث جرت تبعا لذلك أربع انتخابات تشريعية33 لغاية حل المجلس الشعبي الوطني34.

2- الإقتراع النسبي على القائمة المفتوحة:


بعد إقرار التعديل الدستوري سنة 2020 تم إعادة النظر في القانون الإنتخابي بإصدار قانون جديد متمثلا في الأمر رقم 21/01 المتضمن القانون العضوي للإنتخابات المؤرخ في 10مارس 2020 يعكس هذا القانون فلسفة و توجه النظام السياسي في مرحلة ما بعد الحراك الشعبي وسنقتصرهنا على انتخاب المجلس الشعبي الوطني حيث تخلى المشرع على أسلوب الإقتراع النسبي على القائمة المغلقة وهو الأسلوب الذي يكون فيه الناخب مقيدا بالتصويت على قائمة واحدة دون أن يكون له الحق في شطب أي اسم حيث الناخب في هذه الحالة يصوت لصالح الحزب35 لا الأشخاص وبدل ذلك تم اعتماد أسلوب الإقتراع النسبي على القائمة المفتوحة وفي هذا نصت المادة 191 من الأمر 21/01 على:

" ينتخب اعضاء المجلس الشعبي الوطني لعهدة مدتها خمس سنوات) 5( بطريق الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة وبتصويت تفضيلي دون مزج" وفي هذا النمط الانتخابي يحق للناخب حرية اختيار المترشحين عن طريق شطب الأسماء لكنه مقيد باختيار قائمة واحدة أي "التصويت التفضيليvote préférentiel دون مزج بين القوائم".

حيث تم الأخذ بعين الاعتبار النقد الذي تعرض له الأسلوب الذي كان متبعا في المرحلة السابقة وأشارت الى ذلك المادة 192 بنصها على:"...يختار الناخب قائمة واحدة ويصوت لصالح مترشح أو أكثر من القائمة..."، 
أما فيما يتعلق بتوزيع المقاعد وهي المسألة الأكثر أهمية فإنها:

  • "- توزع حسب نسبة الأصوات التي تحصلت عليها كل قائمة مع تطبيق قاعدة الباقي الأقوى ولا تؤخذ في الحسبان عند توزيع المقاعد القوائم التي لم تحصل على خمسة في المائة)5%( على الأقل من الأصوات المعبر عنها36"
  • - المعامل الإنتخابي:هو حاصل قسمة عدد الأصوات المعبر عنها منقوص منها عند الإقتضاء الأصوات التي لم تحصل على5% على عدد المقاعد المطلوب شغلها37.
وفقًا للمادة 196 والمواد التالية:

  • 1. يتم تحديد عدد المقاعد التي يحصل عليها كل قائمة بناءً على المعامل الانتخابي الذي حصلت عليه. وتحسب المعامل الانتخابي عن طريق قسمة عدد الأصوات المعبر عنها للقائمة على عدد المقاعد المطلوبة للتوزيع.
  • 2. يتم ترتيب الأصوات الباقية التي حصلت عليها القوائم الفائزة بالمقاعد والأصوات التي حصلت عليها القوائم غير الفائزة بمقاعد، وذلك بناءً على أهمية عدد الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة. وتوزع المقاعد المتبقية وفقًا لهذا الترتيب.
  • 3. يتم توزيع المقاعد التي حصلت عليها كل قائمة على مرشحيها وفقًا لعدد الأصوات التي حصل كل منهم عليها.
  • 4. إذا لم تحصل أي قائمة مترشحين على نسبة 5% على الأقل من الأصوات المعبر عنها، يتم احتساب المعامل الانتخابي عن طريق قسمة عدد الأصوات المعبر عنها في الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المطلوبة للتوزيع. وفي هذه الحالة، يتم توزيع جميع المقاعد بين جميع قوائم المترشحين.

أما بخصوص الدوائر الانتخابية38 فقد وصل عدد الى 58 دائرة انتخابية تبعا لآخر تقسيم اداري وعدد المقاعد 407 مقعدا منهم 08 مقاعد للجالية الجزائرية في الخارج .

على أساس هذا النمط الانتخابي وطبقا للقوانين الانتخابية جرت انتخابات المجلس الشعبي الوطني بتاريخ 12 جوان 2021 و أسفرت على النتائج التالية:
 جبهة التحرير الوطني حصلت على 98 مقعدًا، والقوائم المستقلة حصلت على 84 مقعدًا، وحركة مجتمع السلم حصلت على 65 مقعدًا، والتجمع الوطني الديمقراطي حصل على 64 مقعدًا. أما جبهة المستقبل فحصلت على 48 مقعدًا، وحركة البناء حصلت على 39 مقعدًا. هناك أيضًا حزب صوت الشعب الذي حصل على 3 مقاعد، وحزب العدالة والتنمية وحزب الحرية والعدالة وحزب الفجر الجديد وحزب الحكم الراشد حصل كل حزب منهم على مقعدين. وأخيرًا، حزب الكرامة وحزب الجزائر الجديدة وحزب الجبهة الوطنية الجزائرية وحزب جيل جديد حصل كل حزب منهم على مقعد واحد.

تم اعتماد نظام الانتخابات النسبي بالقائمة المفتوحة مع التصويت التفضيلي دون مزج. وهذا النظام يسمح للناخبين بالتصويت على القائمة الانتخابية المرغوبة وتحديد التفضيلات بين المرشحين داخل القائمة، دون أي تدخل من عمليات الدمج بين القوائم.

بعض النتائج:
  • - تمثيل خمسة عشرة تشكيلة سياسية بما في ذلك المستقلين الذين تبؤوا المرتبة الثانية وهو تطور ملحوظ في التجربة ودليل على إخفاق أغلب الأحزاب المشاركة في الانتخابات.
  • -عدم تمثيل بعض الأحزاب المحسوبة على التيار الديمقراطي وهذا راجع لعدم مشاركتها أصلا لا بسبب الأسلوب الانتخابي المتبع.
  • - احتفاظ أحزاب التحالف الرئاسي على مكانتها مع تدحرج بعضها وبالتالي لم يحدث تغيير في المشهد السياسي خاصة عندما التفت الأحزاب الكبرى وشكلت الأغلبية الرئاسية، حيث كان بمقدورها تشكيل أغلبية برلمانية .

 الخاتمة:

على مدى حوالي ستين سنة، شهدت التجربة الانتخابية البرلمانية في الجزائر تطورًا كبيرًا في النصوص القانونية والأنماط والنظم الانتخابية المعتمدة. تم اعتماد عدة نظم انتخابية تتناسب مع التطورات السياسية والدستورية في البلاد، مع التركيز على تحقيق استقرار يعكس تطلعات الشعب ويساهم في المشاركة السياسية.

ومع ذلك، شهدت هذه التجربة الانتخابية العديد من الأزمات السياسية والأمنية، مثل أزمة صيف 1962 والحراك الشعبي في عام 2019 وأزمة التسعينيات. تأثرت النظام الانتخابي بتلك الأزمات، سواء في مرحلة الحزب الواحد التي تميزت بالاستقرار أو في مرحلة التعددية.

ومن الملاحظ أنه في بعض المراحل، كان هناك تسرع وارتجالية في اعتماد الأنماط الانتخابية، في حين أخذت المراحل الأخرى في الاعتبار الوصول إلى الاستقرار المؤسساتي. يجب مراعاة الأسس التي تم اعتمادها لتطبيق تلك الأنماط والنظم الانتخابية، فالمسألة ليست قصورًا في النظم بحد ذاتها، ولكنها تتعلق بالأثر والنتائج التي تنجم عنها.

رصيد التجربة الجزائرية في المجال الانتخابي يساهم بلا شك في اعتماد أنماط انتخابية تأخذ في الاعتبار جوانب السياسة والاقتصاد والاجتماع، مما يضمن التمثيل الحقيقي والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية ويؤمن الاستقرار.

المراجع والمصادر :

  • مقال تم نشره في مجلة العلوم القانونية والاجتماعية للكاتب عمران محمد -جامعة الجلفة الجزائر
  • الأمر الرئاسي رقم: 21/77 المؤرخ في 21 فيفري 2021، الذي حلّ بموجبه المجلس الشعبي الوطني في الجزائر في أول مارس 2021.
  • القانون رقم: 21/02 المؤرخ في 16 مارس 2021 الذي يحدد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في البرلمان.
  • 1 سعيد بوالشعير،القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة،الجزء الثاني،الطبعة الثالثة،ديون المطبوعات الجامعية الجزائر1999،ص 113 .
  • 2 تم انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في 20سبتمبر1962 والمجلس الوطني في20سبتمبر1994 والمجلس الشعبي الوطني في ثلاث عهدات"25فيفري1977، 05 مارس1982، 26فيفري 1987"وتم حله في 04جانفي1992.
  • 3 طبقا للمادة 23/4 "نتائج تقرير المصير والفصل الخامس من اتفاقيات ايفيان"الإعلان العام."
  • 4 الأمررقم: 62/010 المؤرخ في 16 جويلية 1962 المتعلق بالإنتخابات و أعضاء المجلس التأسيسي.
  • 5 عدد الدوائر الإنتخابية خمسة عشر دائرة تبعا لعدد الولايات حسب التقسيم الإداري لسنة 1959 وعدد المقاعد 196 مقعدا منهم 16مقعدا للاروبيين وذلك تناسبا مع عدد السكان حسب إحصاء 1960 .


تابع صفحتنا على الفيسبوك و على تويتر ليصلك كل ماهو جديد

لاتنسى مشاركة الموضوع مع أصدقائك

 

المقال التالي المقال السابق
No Comment
Add Comment
comment url